حبيب الله الهاشمي الخوئي

249

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

العرش غير الجزء الحاصل منه في شمال العرش فيكون مركَّبا مؤلفا من الأجزاء المقدارية ومركبا من صورة زيادة ، وكلّ من كان كذلك يحتاج إلى مؤلَّف ومركَّب والحاجة من أوصاف الممكن ، هذا . وهذه الأدلَّة الثلاث كما يبطل كونه جالسا على العرش كذلك تبطل كونه محويا للمكان أىّ مكان كان كما هو غير خفىّ على الفطن العارف فتدبّر . ( ولا يصفه لسان ) أي لا يقدر لسان على وصفه ومدحه لأنّ اللَّسان إنّما هو ترجمان للقلب معبّر عن المعاني المخزونة فيه ، والقلب إذا كان عاجزا عن البلوغ إلى وصفه وعن تعقّل صفاته فاللَّسان أعجز وألكن . بيان ذلك أنّ وصف الشيء والثّناء عليه إنّما يتصوّر إذا كان مطابقا لما هو عليه في نفس الأمر ، وذلك غير ممكن إلَّا بتعقّل ذاته وكنهه ، لكن لا يمكن للعقول تعقّل ذاته سبحانه وتعقّل ما له من صفات الكمال ونعوت الجلال ، لأنّ ذلك التعقّل إمّا بحصول صورة مساوية لذاته تعالى وصفاته الحقيقيّة الذاتيّة أو بحضور حقيقته وشهود ذاته المقدّسة والأوّل محال إذ لا مثل لذاته كما قال عزّ من قائل : * ( لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ ) * ، لأنّ كلّ ما له مثل أو صورة مساوية له فهو ذو جهة كلَّية وهو تعالى لا مهيّة له ، والثاني أيضا كذلك إذ كلّ ما سواه من العقول والنفوس والذّوات والهويّات معلول له مقهور تحت جلاله وعظمته وكبريائه كانقهار عين الخفّاش تحت نور الشمس ، فلا يمكن للعقول لقصورها عن درجة الكمال الواجبي إدراك ذاته على وجه الاكتناه والإحاطة ، بل كلّ عقل له مقام معلوم لا يقدر على التعدّي عنه إلى ما فوقه ، ولهذا قال جبرئيل الأمين لما تخلَّف عن خير المرسلين ليلة المعراج : لو دنوت أنملة لاحترقت ، فأنّى للعقول البشريّة الاطلاع على النعوت الالهيّة والصّفات الأحديّة على ما هي عليه من كمالها . فالقول والكلام وإن كان في غاية الجودة والبلاغة واللَّسان والبيان وإن كان في نهاية الحدّة والفصاحة يقف دون أدنى مراتب مدحه ، والمادحون وإن صرفوا جهدهم وبذلوا وسعهم وطاقتهم في وصفه والثناء عليه فهم بمراحل البعد عمّا هو ثناء عليه